عَوْنِي الْكَعْكِيُّ وَمَسْرَحُ الدُّمَى: مَنْ يُحَرِّكُ الْخُيُوطَ؟
رَدٌّ مَوضُوعِي عَلَى مَا نَشَرَهُ السَّيِّدُ عَوْنِي الْكَعْكِيُّ فِي صَحِيفَةِ الشَّرْقِ اللُّبْنَانِيَّةِ.
يَتَصَدَّرُ الْأُسْتَاذُ عَوْنِي الْكَعْكِيُّ، نَقِيبُ الصَّحَافَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ، الْمَشْهَدَ بِمَقَالَاتٍ تَتَنَاوَلُ أَزْمَةَ دَارِ الْفَتْوَى وَقَرَارَ التَّمْدِيدِ لِمُفْتِي الْجُمْهُورِيَّةِ.
فهو يَكْتُبَ وَيَنْتَقِدَ وَيَقْتَرِحَ. كَمَا أَنَّ للْقَارِئِ أَنْ يَسْأَل : هَلْ نَحْنُ أَمَامَ مُعَالَجَةٍ قَانُونِيَّةٍ مُوَثَّقَةٍ، أَمْ أَمَامَ مَشْهَدٍ إِعْلَامِيٍّ يَسْبِقُ فِيهِ الْعُنْوَانُ الدَّلِيلَ؟ فَحِينَ يَتَحَوَّلُ قَرَارُ الْمَجْلِسِ الْإِسْلَامِيِّ الشَّرْعِيِّ الْأَعْلَى إِلَى مَوْضُوعِ حَمْلَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ، وَتُطْرَحُ الْحُلُولُ وَكَأَنَّهَا تَعْلِيمَاتٌ جَاهِزَةٌ لِإِدَارَةِ الْمُؤَسَّسَةِ وَمُسْتَقْبَلِ مَنْصِبِ الْمُفْتِي، فحينها لَنَا أَنْ نَسْأَلَ: مَنْ يَضَعُ الْخُطَّةَ، وَمَنْ هَيَّأ الْمَسَارَاتِ الْقَضَائِيَّةِ؟
وَإِذَا كَانَ الْأُسْتَاذُ عَوْنِي الْكَعْكِيُّ يَدْعُو إِلَى إِصْلَاحِ دَارِ الْفَتْوَى، فَلْيَكُنِ الْإِصْلَاحُ بِالْوَثَائِقِ وَالْحُجَجِ وَاحْتِرَامِ الْمُؤَسَّسَاتِ وعدم التجريح بالمفتي ومشاركوه، لَا بِرَسْمِ أَدْوَارٍ مُسْبَقَةٍ وَتَوْجِيهِ الْجُمْهُورِ إِلَى نَتِيجَةٍ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَانُونُ كَلِمَتَهُ.السُّؤَالُ: هَلْ أَصْبَحَتْ دَارُ الْفَتْوَى مَسْرَحًا لِلْمَقَالَاتِ، وَالْقَضَاءُ مَادَّةً لِلْعَنَاوِينِ، وَالْإِصْلَاحُ عُنْوَانًا يُرْفَعُ كُلَّمَا اشْتَدَّ الْخِلَافُ؟!!!!!…….
إِنَّ صَوْنَ دَارِ الْفَتْوَى وَهَيْبَتِهَا لَا يَكُونُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَكْلِيفِ أَمِينِ الْفَتْوَى قَائِمَقَامًا لِلْمُفْتِي، وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ لِإِخْرَاجِ سَمَاحَةِ مُفْتِي الدَّارِ، خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ، الدُّكْتُورِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ دَرْيَانَ، حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ الدَّعْوَةِ إِلَى انْتِخَابِ مُفْتٍ جَدِيدٍ. فَهَذِهِ لَيْسَتْ قَرَارَاتٍ تُنَفَّذُ بِمَقَالٍ صَحَفِيٍّ وَرَغْبَةٍ سِيَاسِيَّةٍ مُرَاهِقَةٍ لَمْ تَرْقَ إِلَى أَحْلَامِ الرُّضَّعِ وَأُمْنِيَاتِ الْكُهُولِ.أضٍف أَنَّ مَلَفَّ التَّمْدِيدِ لا زَالَ مَوْضِعَ نِزَاعٍ قَضَائِيٍّ وَإِجْرَائِيٍّ، وَلَا يَصِحُّ الْخَلْطُ بَيْنَ التَّقَارِيرِ وَالْمَوَاقِفِ الْمُتَدَاوَلَةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ الْقَضَائِيِّ النِّهَائِيِّ، هَذَا إِنْ كَانَ الْقَضَاءُ الْمَدَنِيُّ يَغْلِبُ الْقَرَارَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِالدَّارِ.
أَوَّلًا: عُنْوَانٌ ضَخْمٌ لَا يَكْفِي لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ وَلَا الْبُرْهَانِ
يَضَعُ الْكَعْكِيُّ الْإِنْقَاذَ وَالْهَيْبَةَ وَاسْتِعَادَةَ الثِّقَةِ فِي صَدَارَةِ مَقَالِهِ، لَكِنَّهُ لَا يُقَدِّمُ تَشْخِيصًا مُوَثَّقًا وَشَامِلًا لِأَسْبَابِ أَزْمَةِ الثِّقَةِ، وَلَا يُحَدِّدُ مَعَايِيرَ وَاضِحَةً لِقِيَاسِهَا، أَوْ لِمَعْرِفَةِ مَا إِذَا كَانَتِ الْحُلُولُ الْمُقْتَرَحَةُ سَتُعِيدُ بِنَاءَهَا فِعْلًا.
اتِّسَاعُ الْعُنْوَانِ يُقَابِلُهُ ضِيقٌ فِي مُعَالَجَةِ الْإِصْلَاحِ الْمُؤَسَّسِيِّ
إِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِإِنْقَاذِ مُؤَسَّسَةٍ تَسْتَوْجِبُ أَكْثَرَ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اجْتِمَاعٍ جَامِعٍ، وَتَشْكِيلِ لَجْنَةٍ قَانُونِيَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ، وَوَقْفِ الْحَمَلَاتِ الْإِعْلَامِيَّةِ.
الْوَقَائِعُ لَا تُحْسَمُ بِعِبَارَاتِ «قِيلَ» وَكَلِمَةِ «أُثِيرَ»
يَتَنَاوَلُ الْمَقَالُ جَلْسَةَ الْمَجْلِسِ الشَّرْعِيِّ الْإِسْلَامِيِّ الْأَعْلَى فِي ٩ أَيْلُولَ ٢٠٢٣، وَمَا أُثِيرَ بِشَأْنِ إِدْرَاجِ بَنْدِ رَفْعِ سِنِّ التَّقَاعُدِ مِنْ ٧٢ إِلَى ٧٦ عَامًا، وَالْإِجْرَاءَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ بِجَدْوَلِ الْأَعْمَالِ وَالْمَحَاضِرِ.لَكِنَّ الْكَاتِبَ نَفْسَهُ يَسْتَخْدِمُ عِبَارَاتٍ احْتِرَازِيَّةً، مِثْلَ «قِيلَ» وَ«وَفْقَ الْمُعْطَيَاتِ الَّتِي أُثِيرَتْ»، عِنْدَ عَرْضِ جَوَانِبَ أَسَاسِيَّةٍ مِنَ الرِّوَايَةِ. وَهَذِهِ الصِّيَاغَةُ لَا تُثْبِتُ صِحَّةَ الِادِّعَاءَاتِ، بَلْ تَعْنِي أَنَّ التَّحَقُّقَ مِنْهَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوَثَائِقِ الْأَصْلِيَّةِ.
الْوَقَائِعُ تَحْتَاجُ إِلَى وَثَائِقَ
الْإِنْصَافُ يَقْتَضِي الْقَوْلَ إِنَّ الْكَعْكِيَّ دَعَا إِلَى التَّحَقُّقِ مِنَ الْمُسْتَنَدَاتِ، لَكِنَّ هَذَا التَّحَفُّظَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَقْدِيمِ الْأَزْمَةِ أَوْ مُخْرَجَاتِهَا كَأَنَّهَا مَحْسُومَةٌ قَبْلَ اكْتِمَالِ التَّثَبُّتِ، وَعَدَمَ تَحْوِيلِ رِوَايَاتٍ مُتَدَاوَلَةٍ إِلَى نَتَائِجَ قَانُونِيَّةٍ قَاطِعَةٍ وَخَارِطَةِ طَرِيقٍ مِنْ دُونِ أَدِلَّةٍ.
الْقَانُونُ لَيْسَ تَفْصِيلًا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ بِالتَّوَافُقِ
يُشِيرُ الْمَقَالُ إِلَى الْمَرْسُومِ الِاشْتِرَاعِيِّ رَقْمَ ١٨/١٩٥٥، وَيُؤَكِّدُ ضَرُورَةَ احْتِرَامِ الْقَانُونِ. وَهَذِهِ نُقْطَةٌ صَحِيحَةٌ، لَكِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ مُعَالَجَةً أَكْثَرَ دِقَّةً مِمَّا يُقَدِّمُهُ الْمَقَالُ.فَالْمَرْسُومُ يُنَظِّمُ شُؤُونَ الْإِفْتَاءِ وَالْأَوْقَافِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَقَدْ خَضَعَ لِتَعْدِيلَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَتَنْصُّ الْمَادَّةُ ٥٠ فِي النَّصِّ الْمُعَدَّلِ الْمَنْشُورِ عَلَى نِصَابٍ خَاصٍّ عِنْدَ إِدْخَالِ تَعْدِيلٍ عَلَى الْمَرْسُومِ، هُوَ حُضُورُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَعْضَاءِ الْمَجْلِسِ.
لَكِنَّ تَطْبِيقَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى جَلْسَةٍ بِعَيْنِهَا يَتَطَلَّبُ فَحْصَ النَّصِّ النَّافِذِ وَقْتَ انْعِقَادِهَا، وَمَحْضَرِ الْجَلْسَةِ، وَطَبِيعَةِ الْقَرَارِ الْمُتَّخَذِ، وَسَائِرِ الْقَوَاعِدِ ذَاتِ الصِّلَةِ.كَذَلِكَ، لَا يَنبَغي الْجَزْمُ بِبُطْلَانِ قَرَارٍ أَوْ بِصِحَّةِ التَّمْدِيدِ اعْتِمَادًا عَلَى مَقَالٍ صَحَفِيٍّ. وَلَا يَصِحُّ إِعلَانُ انْتِهَاءِ الْوِلَايَةِ أَوْ وُجُوب انْتِخَابِ خَلَفٍ قَبْلَ التَّحَقُّقِ مِنَ الْحُكْمِ الْقَضَائِيِّ النِّهَائِيِّ وَآثَارِهِ الْقَانُونِيَّةِ. إِنَّ احْتِرَامَ الْقَضَاءِ لَا يَعْنِي انْتِقَاءَ مَا يُنَاسِبُ مَوْقِفًا مُعَيَّنًا مِنْ قَرَارَاتِهِ.
اقْتِرَاحُ اللَّجْنَةِ الْقَانُونِيَّةِ لَا يَمْنَحُهَا صَلَاحِيَّاتٍ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا
يَقْتَرِحُ الْكَعْكِيُّ تَشْكِيلَ لَجْنَةٍ قَانُونِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، ثُمَّ اعْتِمَادَ تَوْصِيَةٍ يَصِفُهَا بِأَنَّهَا «وَاضِحَةٌ وَمُلْزِمَةٌ».
وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالٌ جَوْهَرِيٌّ لَمْ يَحْسِمْهُ الْمَقَالُ: مَنْ يَمْنَحُ هَذِهِ اللَّجْنَةَ سُلْطَةَ الْإِلْزَامِ؟ وَمَا السَّنَدُ الْقَانُونِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ تَوْصِيَتَهَا مُلْزِمَةً لِلْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّةِ؟إِنَّ تَشْكِيلَ لَجْنَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الِاخْتِصَاصِ لَا يَمْنَحُهَا تِلْقَائِيًّا صَلَاحِيَّاتِ الْقَضَاءِ .
يَا أُسْتَاذَ عَوْنِي، إِنَّ الْقَلَمَ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَالْمِنْبَرَ الْإِعْلَامِيَّ لَيْسَ مِقْوَدًا لِتَوْجِيهِ الْقَضَاءِ ، فَلَا نَتَّهِمُ بِالتَّحْرِيضِ مِنْ دُونِ بَيِّنَةٍ، وَلَا نَقْبَلُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْإِعْلَامُ إِلَى بَدِيلٍ عنَ الْقَضَاءِ.
ختاماً
فدَارُ الْفَتْوَى لَا تُدَارُ بِالْإِمْلَاءِ، وَلَا تُصَانُ بِالْإِقْصَاءِ وَالتَّصْعِيدِ، وَلَا بِالْمَقَالَاتِ الْكَلَامِيَّةِ والمَجلِس سَيّد نَفسِه.
بقلم إبن بيروت الدكتور محمد قدوحة